الشيخ محمد الصادقي
484
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
بما زجره قومه ، أن صاحوا عليه وطردوه ، وكأنه ارتكب جريمة نكراء ، . . زجروه فازدجر ، بدل ان يزدجروا - هم - وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ! . وعلهما معا معنيان إذ تتحملها الصيغة وَازْدُجِرَ ازدجارا فعليا من قبل قومه ، بعد ازدجاره قوليا : ان الجن زجرته بالمعنيين المسبقين ، فأصبح مغلوبا في ثالوث الازدجار فطلب من ربه الإنتصار : فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فليس من الهيّن أن يتهم رسول كنوح ( ع ) بهذه التهمة الوقحة ، وهو من الكرامة عند اللّه لدرجة كأنه عبده لا سواه « عبدنا » بين عامة المكلفين زمنه . فينزله قومه إلى درك الجنون وأجنه ، فيطردونه عن دعوته ، ويقصرون لسانه عن تبليغ رسالته ، فيصبح مغلوبا على أمره وكأنه لا يحمل رسالة ! . . فحق له إذا أن يدعو ربه « أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ » ! ، وبعد دعائه لهم الطويل الطويل ، وحججه عليهم ، اللذين تحملها سورتا نوح وهود ( ع ) . فمهمة الرسالة لا تنتهي إلا بعد بلاغها الأسماع إن نفعت ، وبلوغها القلوب كما أريد منها : أو بعد إياس الرسول عن تأثيرها في المرسل إليهم : « فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً » فقد انتهى الأمران لنوح ، بلاغا في المؤمنين القلة « وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » وفرارا في الباقين الكثرة ، إذا فهو مغلوب في مهمته ، وعليه ان ينتصر من ربه « فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ » : يا رب انتصر : انتقم نصرة لرسالتك ، لرسولك ، لشريعتك ، لحقك ، فالأمر أمرك ، والعبد عبدك ، والرسول رسولك ، ثم ولا رجاء في هؤلاء ، ولماذا ؟ لأنهم كذبوه رغم طول الدعوة ، والمصابرة المثابرة على أذاهم ، صامدا لاستهزائهم ، يرصد فيهم بريق الأمل ، ويشيم منهم بارق الايمان ، ولكنهم ما زادوا على الأيام إلا عتوا ونفورا ، ففزع إلى اللّه شاكيا ملتجيا ، مستعينا مستهديا ، في هؤلاء الذين